الشيخ محمد هادي معرفة

388

التفسير الأثرى الجامع

حكمته وآياته ونبوّته - على من يشاء من عباده - يعني به محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بغيا وحسدا لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، من أجل « 1 » أنّه كان من ولد إسماعيل ، ولم يكن من بني إسرائيل ! فإن قال قائل : وكيف ابتاعت اليهود أنفسها بالكفر فقيل : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ؟ وهل يشترى بالكفر شيء ؟ قيل : إنّ معنى الشراء والبيع عند العرب : هو إزالة مالك ملكه إلى غيره بعوض يعتاضه منه ، ثمّ تستعمل العرب ذلك في كلّ معتاض من عمله عوضا شرّا أو خيرا ، فتقول : نعم ما باع به فلان نفسه ، وبئس ما باع به فلان نفسه ، بمعنى : نعم الكسب أكسبها وبئس الكسب أكسبها إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرّا . فكذلك معنى قوله جلّ ثناؤه : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لمّا أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأهلكوها ، خاطبهم اللّه والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم فقال : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يعني بذلك : بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم ، وبئس العوض اعتاضوا من كفرهم باللّه في تكذيبهم محمّدا ، إذ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب اللّه وما أعدّ لهم - لو كانوا آمنوا باللّه وما أنزل على أنبيائه - بالنار ، وما أعدّ لهم بكفرهم بذلك . وهذه الآية وما أخبر اللّه فيها من حسد اليهود محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقومه من العرب ، من أجل أنّ اللّه جعل النبوّة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل ، حتّى دعاهم ذلك إلى الكفر به مع علمهم بصدقه ، وأنّه نبيّ اللّه مبعوث ورسول مرسل ؛ نظيرة « 2 » الآية الأخرى في سورة النساء ، وذلك قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا . أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً . أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً . أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً « 3 » . « 4 » * * * وقال الفرّاء في قوله تعالى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ . . . : معناه - واللّه أعلم - : باعوا به أنفسهم . وللعرب في شروا واشتروا مذهبان ، فالأكثر منهما أن يكون شروا : باعوا ، واشتروا : ابتاعوا . وربما

--> ( 1 ) تعليل للحسد ، أي إنّهم حسدوا محمّدا من أجل أنّه كان من العرب . . ( 2 ) قوله : « نظيرة » خبر قوله قبل أسطر : « وهذه الآية » . ( 3 ) النساء 4 : 51 - 54 . ( 4 ) الطبري 1 : 581 - 585 .